عامر النجار
49
في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية
أخذت عليه مآخذ كثيرة ، منها أنه كان يزعم الإلمام بكل شئ وأنه لم يتحرج قط من إزجاء إجابة لكل سؤال وأنه لم يتورع عن التهكم على زملائه بسخرية لاذعة . . . وتوفى جالينوس سنة 200 م على وجه التقريب . وكان معنى انتصاره على المدارس المتنازعة توحيد الطب بشكل سيطر على الفكر الطبى حتى أيام باراسلوس في القرن السادس عشر الميلادي « 1 » . ولتلك السيطرة ولطول بقائها أسباب وجيهة منها أنه كان مبتكرا حقا ، وأسباب أقل وجاهة كربطه الطب والفلسفة بأواصر متينة ، بل إنه مزجهما في مركب واحد ، وهذا في عصر كان مولعا بالفلسفة وإقامته الطب على نظرية موحدة تفسر كل ظاهرات الصحة والمرض بطريقة تروق العقل المنظم . إلا أن أتباعه صنعوا ما صنع أتباع أبقراط وتلاميذه هيروفيلوس وايرازستراتوس فاكتفوا بالنقل والتصنيف . ولئن شايعوه أحيانا في توصيته بالدأب على التشريح فإنهم أجروا الصفات التشريحية لمجرد رؤية الأعضاء استنادا على أقواله لا للتحقق منها أو الإضافة إليها . ولذا فإن كتاباتهم تبدو منقولة عن أصل واحد ولا تظهر فيها أية نزعة تميز كاتبا عن كاتب . . . وكانت تعاليم « جالينوس » تؤكد أن الطبيعة تعمل بحكمة عظيمة وراءها الخالق الأعظم ولهذا فإن أعضاء جسم الإنسان المختلفة قد شكلت بطريقة دقيقة حكيمة بالغة العظمة تتناسب مع عملها ولكل عضو من أعضاء الجسم فائدته وضرورته وأهميته ، ومن هنا كانت الصلة بين المسبب والنتيجة على أدق وأعظم وفاق ، وذلك مما يدل على وجود الخالق الأعظم وأنه وراء كل شئ ومحيط بكل شئ .
--> ( 1 ) باراسلسوس ( 1493 - 1541 م ) طبيب سويسرى أحرق كتب جالينوس علنا في ميدان مدينة « بازل » وهاجم أطباء عصره ، وقد طرد من جامعة « بازل » ، وأدخل عقاقير جديدة في العلاج ( غليونجى ص 61 ) .